منذ فجر التاريخ، استخدم البشر الشفرات لإخفاء أسرارهم. من رسائل الحرب القديمة إلى جرائم العصر الحديث، كانت الشفرات هي اللغة الصامتة للجواسيس، القادة، والقتلة. بعض هذه الألغاز تم فكها بفضل عبقرية العقل البشري، بينما لا يزال البعض الآخر يقف شامخًا كشاهد على غموض لم يُحل بعد. دعنا نغوص في عالم علم التعمية ونستكشف أشهر هذه الشفرات.
آلة إنجما
لم تكن مجرد شفرة، بل كانت آلة كهروميكانيكية معقدة استخدمتها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية لتشفير اتصالاتها العسكرية. كانت إنجما قادرة على توليد عدد هائل من التراكيب المختلفة (حوالي 158 كوينتيليون)، مما جعلها تبدو "غير قابلة للكسر".
كيف تم فكها؟ لم يتم فكها بقوة العقل وحدها، بل بفضل فريق من العباقرة في "بلتشلي بارك" ببريطانيا، وعلى رأسهم آلان تورنغ. قاموا ببناء آلات ضخمة تسمى "بومب" (Bombe)، وهي أجهزة كمبيوتر أولية كانت قادرة على محاكاة عمل آلاف من آلات إنجما في نفس الوقت، مما سمح لهم بتجربة الإعدادات المحتملة بسرعة هائلة. يُعتقد أن فك شفرة إنجما قد قصّر مدة الحرب العالمية الثانية بما لا يقل عن عامين وأنقذ ملايين الأرواح.
شفرات قاتل الزودياك
في أواخر الستينيات، أرهب قاتل متسلسل مجهول شمال كاليفورنيا، وأطلق على نفسه اسم "زودياك". لم يكتفِ بالقتل، بل كان يسخر من الشرطة والإعلام عن طريق إرسال رسائل مشفرة. أرسل أربع شفرات، أشهرها شفرة "Z-408" التي تم فكها بسرعة من قبل زوجين من الهواة، وكشفت عن تباهي القاتل بجرائمه.
لكن شفرة "Z-340" ظلت لغزًا لأكثر من 51 عامًا، حتى تمكن فريق دولي من خبراء التشفير الهواة من فكها في عام 2020 باستخدام برامج كمبيوتر متخصصة وتقنيات تحليلية معقدة. ومع ذلك، لا تزال هناك شفرتان قصيرتان لم يتم حلهما، ولا تزال هوية القاتل مجهولة حتى اليوم.
مخطوطة فوينيتش
هذه هي "الجائزة الكبرى" في عالم التشفير. مخطوطة غامضة تعود إلى القرن الخامس عشر، مكتوبة بلغة غير معروفة تمامًا وتتضمن رسومًا لنباتات غريبة، مخططات فلكية، ونساء يستحممن في سوائل خضراء. على مدار قرن، حاول أفضل خبراء التشفير في العالم، بما في ذلك محللو الشفرات في وكالة الأمن القومي الأمريكية، فكها لكنهم فشلوا جميعًا.
لماذا لم تُحل بعد؟ النظريات تتراوح بين كونها لغة حقيقية مفقودة، أو شفرة معقدة للغاية، أو مجرد خدعة متقنة لا معنى لها. حقيقة أن بعض الأنماط الإحصائية في النص تشبه اللغات الطبيعية تجعل الخبراء يعتقدون أنها ليست مجرد هراء، لكن مفتاح فكها لا يزال مفقودًا.
شفرة كريبتوس
في مقر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في لانغلي، فيرجينيا، يقف تمثال غامض للفنان جيم سانبورن، مغطى بـ 1800 حرف مشفر. تم تثبيت التمثال في عام 1990، وهو يحتوي على أربع رسائل مشفرة منفصلة. على مدار العقود، تمكن خبراء من وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي من فك الأجزاء الثلاثة الأولى، والتي تحتوي على عبارات شعرية وتلميحات غامضة.
لكن الجزء الرابع والأخير، المكون من 97 حرفًا فقط، ظل لغزًا محيرًا لأكثر من 30 عامًا. حتى الفنان نفسه، الذي لا يزال على قيد الحياة، قدم تلميحات لمساعدة المحللين، لكن دون جدوى. إنها شفرة تقف كتحدٍ دائم لأذكى العقول في العالم.
